أحمد الشرباصي

31

موسوعة اخلاق القرآن

دنياهم وأخراهم ؛ وهذا العدل المعنوي الذي يشير إليه يتطلب من العلماء أن يتعرفوا إلى الحاجات العقلية والنفسية والدينية التي يحتاج إليها هؤلاء العوام ، ليستقيم أمرهم ويعتدل حالهم ، فلا يقدّموا إليهم إلا ما يزيدهم توفيقا ورشدا في أمور دينهم ودنياهم . ويرى الإمام الغزالي أن قوة العدل الحقيقي هي ضبط الشهوة والغضب ، وإخضاعهما تحت إشارة العقل والشرع ، وهو يرى أن العدل حالة للنفس ، وقوة بها تسوس الغضب والشهوة ، وتحملهما على مقتضى الحكمة ، وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها . وكلما علت منزلة الانسان بين قومه ، أو اتسعت تبعته نحوهم ، أو انفسحت اختصاصاته معهم ، زادت مطالبتهم له عقلا وشرعا بالحرص على العدل والاستمساك بالقسطاس ، ولعل هذا بعض السر في إخبار الرسول لنا بأن الإمام العادل أحد سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله ، وإخباره أن ذا السلطان المقسط العادل أحد ثلاثة هم أهل الجنة . والعدل نوعان : نوع يقتضي العقل حسنه دائما ، وهو الإحسان إلى من أحسن إليك ، لأن اللّه تعالى يقول : « هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ » ويقرب من معنى هذا قوله : « وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها » وكذلك كفّ الأذى عمن كف أذاه عنك : « فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » . ونوع آخر يبيحه الشرع ، لأنه عدل يقتضيه التقابل والتماثل ، كالقصاص في قوله تعالى : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » . وقوله : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » . وقوله : « وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً » . وقوله : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . فالاعتداء على المعتدي ، ومقابلة المسئ بالإساءة من قبيل العدل ، وبهذا